08 Feb 2024

أمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟

أمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟

جُمْلَتَانِ قَالَتْهُمَا السَّيِّدَةُ أَسْمَاءُ ڤ، وَقَفَ التَّارِيخُ صَامِتًا أمَامَ جَمَالِهِمَا.
أمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟ 
يَا بُنيَّ... لَا يَضُرُّ الشاةَ سَلْخُهَا بَعدَ ذَبحِهَا. 
الْقِصَّةُ:
يُرْوَى أَنَّ الْحَجَّاجَ حَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ في الْحَرَمِ قَرِيبًا مِنْ سَبعَةِ أَشْهُرٍ يَرمِيهِ بِالْمَنْجَنِيقِ.. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، فَدَخَلَ عَبدُ اللهِ عَلَى أُمِّهِ قَائِلًا: يَا أُمُّاهُ قَدْ خَذَلَنِي النَّاسُ حَتَّى وَلَدِي وَأَهْلِي، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلَّا الْيَسِيرُ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا أَرَدْت مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ (يَقْصِدُ أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يُسَاوِمُونَهُ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُمُ الْأَمْرَ وَيُوَفِّرُونَ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ أَمْرِ الدُّنيَا). 
فَقَالَتْ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ، إِنْ كُنْتَ تَعلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَإِلَيْهِ تَدْعُو فَامْضِ لَهُ فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ ،وَلَا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ فَيَتَلاعَبَ بِرَأسِكَ غِلمانُ بَني أُميَّةَ.
وَإنْ كُنتَ إنَّمَا أرَدتَ الدُّنيا فَبِئسَ العَبدُ أَنْتَ؛ أَهْلَكْتَ نَفسَكَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ قُلْتَ: كُنتُ عَلَى الحقِّ فَلَمَّا وَهَنَ أَصْحَابِي ضَعُفْتُ فَهَذَا لَيسَ فِعلَ الْأَحْرارِ وَلَا أهلِ الدِّينِ، كَمْ خُلُودُكَ في الدُّنْيَا؟ الْقَتْلُ أَحْسَنُ!
لَمْ تُبقِ أَسْمَاءُ لِابْنِهَا خِيَارًا أَوْ قَوْلًا إِلَّا بَسَطَتْهُ وَوَزَنَتْهُ وَهِيَ في ذَلكَ الوقتِ في سَنَتِهَا الْمِئَة، لَمْ يَسقُطْ لَهَا سِنٌّ وَلَمْ يُنْكَرْ لَهَا عَقْلٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ يَا أُمَّاهُ، أخافُ إنْ قَتَلني أهْلُ الشَّامِ أنْ يُمَثِّلُوا بِي وَيَصْلبُوني. 
عِنْدِهَا قَالَتْ أسْماءُ قَولَتَهَا الْمَشْهُورَةَ: يَا بُنيَّ لَا يَضُرُّ الشاةَ سَلْخُهَا بَعدَ ذَبْحِهَا، فَامْضِ عَلَى بَصيرَتِكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ.
فَقَالَ لَهَا: هَذَا رَأْيِي الَّذِي قُمْتُ بِهِ دَاعِيًا إِلَى يَوْمِي هَذَا، مَا رَكَنتُ إلَى الدُّنيا، وَمَا أحبَبتُ الْحَياةَ فِيهَا، وَمَا دَعَانِي إلَى الْخُروجِ عَلَى القومِ إلَّا الْغَضَبُ للهِ أنْ تُستَحَلَّ حُرُمَاتُهُ، وَلَكِنِّي أحبَبتُ أنْ أَعلَمَ رَأيَكِ فَقَدْ زِدتِني بَصِيرَةً فَانْظُرِي يَا أُمَّاهُ فَإِنِّي مَقْتولٌ في يَوْمِي هَذَا؛ فَلَا يَشتَدَّنَّ حُزنُكِ. 
وَبِالْفِعْلِ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﭬ، حَيْثُ رَمَاهُ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَصَلَبَ جَسَدَهُ أَيَّامًا حَتَّى أَتَتْ أُمُّهُ وَقَالَتْ قَوْلتَهَا الشَّهِيرَةَ: يَا حَجَّاجُ (أَمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟)، فَأَنْزَلَ وَلَدَهَا وَدُفِنَ، وَسَارَتِ الرُّكْبَانُ بِمَقُولَتَيْهَا الشَّهِيرَتَيْنِ. 
لَمْ أَجِدْ كَلِمَةً في اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَصِفُ بِهَا بَسَالَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَصَبْرَهُنَّ.
مِنْهُنَّ مَنْ وَقَفَتْ عَلَى جَسَدِ ابْنِهَا تَنْتَظِرُ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ الصَّلْبِ كَأَسْمَاءَ . . تَقِفُ بِقَلْبٍ قَدْ تَجَاوَزَ الْأَلَمَ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ قَائِلَةً: أمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟! 
وَالْأَجْمَلُ . . زَيْنَبُ ڤ إذْ فَقَدَتْ مُعْظَمَ أَهْلِ بَيْتِهَا مِنْ زَهْرَاتِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ في كَرْبلَاءَ وَفَقَدَتْ مَعَهُمْ سَيِّدَ السَّادَاتِ سَيِّدَنَا الْحُسَيْنَ فَجَلَسَتْ وَقَدِ اشْتَدَّ الْأَلَمُ وَهِيَ تَأْخُذُهُ بَيْنَ يَدَيْهَا حَيْثُ الْفِرَاقُ الْأَبَدِيُّ بَيْنَمَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ هَذَا فَخُذْ حَتَّى تَرْضَى. 
هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ اللَّائِي عَجَزَ الزَّمَانُ أَنْ يَجُودَ بِمِثْلِهِنَّ . . نِسَاءُ آلِ الْبَيْتِ . . أَهْلُ الْعِتْرَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَلَنَا في عَبْدٍ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقْفَةٌ . . كَيْفَ كَانَ حَالُ قَلْبِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَقَدْ وَقَفْتَ أَمَامَ الْكَعْبَةِ؛ هِيَ مِنْ خَلْفِكَ وَمِنْ أَمَامَكَ مَنْجَنِيقُ الْحَجَّاجِ الثَّقَفِيِّ . . كَيْفَ كَانَ شُعُورَكَ وَقَدْ خَذَلَكَ النَّاسُ، وَرَحَلَ الْجَمِيعُ عَنْكَ؟ 
كَيْفَ كَانَ اسْتِقْبَالَ اللَّهِ لَكَ؟ 
عَنْ آخِرِ نَظْرَةٍ نَظَرْتَهَا إِلَى الدُّنْيَا مِنْ حَوْلِكَ فَلَمْ تَجِدْ أَيَّ شَيْءٍ، وَ لَمْ تَرَ أَيَّ أَحَدٍ سِوَى اللَّه.
تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الَّتِي يَذْهَبُ فِيهَا كُلُّ زَائلٍ وَيَبْقَى الَّذِي لَا يَزُولُ.
كُلُّ خَيرٍ قَدْ فَعَلْتَهُ بِالْأَمْسِ هُوَ نَجَاتُكَ في هَذِهِ الْوَقْفَةِ الصَّعْبَةِ . . يَرَاكَ الْجَمِيعُ مَخْذُولًا ضَعِيفًا لَكِن

ضَعِيفًا لَكِنَّكَ مُطْمَئِنٌّ هَادِئٌ . . يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَى الْأَسْلِحَةِ الْمُوَجَّهَةِ نَحْوَكَ وَلَحَظَات فِرَاقِكَ لَكِنَّكَ لَا تَرَى كُلَّ ذَلِكَ . . تَرَى فَقَطْ جَمِيلَ اسْتِقْبَالِ اللَّهِ لَكَ . . تَرَى كُلَّ خَيْرٍ فَعَلْتَهُ وَقَدْ جَادَلَ عَنْكَ وَوَقَفَ لِيَحْفَظَكَ . . تَرَى قُلُوبًا أَكْرَمْتَهَا وَنُفُوسًا أَحْيَيْتَهَا وَعُلُومًا نَشَرْتَهَا . . تَرَى ثَبَاتًا عَلَى الْحَقِّ لَمْ يُخَالِجْهُ بَاطِلٌ أَبَدًا وَلَمْ يَتَسَلَّلْ إلَيْهِ الرِّيَاءُ لَحْظَةً . . تَرَى أَقْدَامًا قَدْ عَجَزَتْ لَكِنَّهَا بِعَجْزِهَا قَدْ شَهِدَتْ أَنَّهَا لَمْ تَمْشِ إِلَّا في اللَّهِ، وَالْيَوْمَ تَمْشِي إلَى اللَّهِ.. 
إنْ هِيَ إلَّا آجَالٌ قَدِ اقْتَرَبَ مَوْعِدُهَا . . فَالْعَوْدُ أَحْمَدُ.
وَبَعْدَ الْعَوْدِ . . قُلْ لِي بِرَبِّكَ.
أمَا آنَ لِهَذَا الفَارِسِ أَنْ يَتَرَجَّلَ؟ 
هَلْ يَضُرُّ الشَّاةَ سَلْخُهَا بَعدَ ذَبْحِهَا؟
 

#الصمود_والثبات

  1. #المقاومة_ضد_الظلم

    #حق_المقاومة

    #الاستمرارية_في_النضال

    #الصبر_والإيمان

    #القوة_النسائية

    #مقاومة_الظلم

    #العزيمة_والصمود

    #الثبات_في_المواجهة

    #الصراع_من_أجل_العدالة

    #قصص_الصمود

    #المقاومة_الشجاعة

    #القصص_الإلهامية

    #نساء_المقاومة

    #التحدي_والتصميم